ابراهيم بن محمد البيهقي
274
المحاسن والمساوئ
الحكمين فو اللّه لأفتلنّ له حبلا لا ينقطع وسطه ولا ينتشر طرفاه . قال عليّ رحمه اللّه لست من كيدك وكيد معاوية في شيء ، واللّه لا أعطيه إلّا السيف حتى يدخل في الحقّ . قال ابن عبّاس : وهو واللّه لا يعطيك إلّا السيف حتى يغلب بباطله حقّك . قال عليّ ، رضي اللّه عنه : وكيف ذاك ؟ قال : لأنّك تطاع اليوم وتعصى غدا وإنّه يطاع فلا يعصى . فلمّا انتشر على عليّ ، رضي اللّه عنه ، أصحابه وابن عبّاس بالبصرة قال : للّه ابن عبّاس إنّه لينظر إلى الغيب من ستر دقيق . ومثله خبر عمر بن الخطّاب ، رضي اللّه عنه : حين قال لأصحابه : دلّوني على رجل أستعمله على أمر قد أهمّني . قالوا : فلان . قال : لا حاجة لنا فيه . قالوا : فمن تريد ؟ قال : أريد رجلا إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنّه أميرهم ، وإذا كان أميرهم كان كأنّه رجل منهم . قالوا : ما نعرف هذه الصفة إلّا في الربيع بن زياد الحارثي . قال : صدقتم . فولّاه . ومنه خبر صاحب الأمين ، فإنّه حكي أنّه كان بمدينة السلام شيخ من الكتّاب مسنّ قد اعتزل لأمور وكان يوصف بجودة الرأي ، فدعاه محمد الأمين وشاوره في أمر أخيه المأمون وما ينبغي أن يعامله حتى يقع في يده . فقال : إن استعجلت لم تنتفع بفعل ولا رأي ، وإن تمهّلت وقبلت مشورتي تمكّنت من أخيك وذاك أنّك تدعو بحجّاج خراسان إذا قدموا مدينة السلام وتجلس مجلسا حافلا وتقول لهم : إن أخي كتب إليّ يحمدكم ويذكر سمعكم وطاعتكم وجميل مذاهبكم ، وتجزيهم الخير ثمّ تقول : قد أسقطت عنكم خراج سنة ، وأخوك في بلد رجال بلا مال وليس له في نقض قولك حيلة وسيناله من ذلك خلل شديد حتى ينتقض أكثر أمره ، ثمّ تفعل مثل ذلك في السنة المقبلة وترفع عنهم خراج سنتين ، فإن لم يأتوك بأخيك في وثاق وكنت حيّا فاضرب عنقي . فلم يقبل الأمين ذلك للأمر المقدور والقضاء السابق وعجّل إلى خلع المأمون في عقد الأمر لابنه حتى كان ما كان . وليس يبلغ شيء في الملك والدولة خاصّة مبلغ الرأي لأن الرأي لا يحتاج إلى السلاح والسلاح يحتاج أهله إلى الرأي وإلّا كانت عدّتهم عليهم ضررا إذا لم يصيبوا في استعمالها وجه الرأي . مساوئ من يستشير قال بعض أهل العلم : لو لم يكن في المشورة إلّا الاستحقار من صاحبها لك وظهور فقرك إليه لوجب اطّراح ما تفيده المشورة وإلقاء ما تكسبه الإنسان ، وما استشرت أحدا قطّ إلّا كبر عندي وتصاغرت له ودخلته العزّة ودخلتني الذلّة ، فإيّاك والمشورة وإن ضاقت بك المذاهب واختلفت عليك المسالك وأدّاك الاستبهام إلى الخطأ الفادح ، فإنّ صاحبها أبدا